غدت النجوم غادرة!
في الشارع الواسع..أصداء فرح..و أطياف ضحكات..خيالات و بسمات..و غيوم متسابقات..أحلام ملونة..و عيون يملؤها الأمل و تزينها الكلمات...أقدام تجري..و تمشي..و تسكن عند المغيب...جدتي و جدته تتبادلان أطراف الحديث على الكراسي الخشبية..و جديهما يتناولان الشاي في الزاوية..طفل يركض حتى تتعثر به حبات العرق المنسكبة من أعلى جبينه..امرأة حملت ورحان تجوب الحي فتلقي السلام على كل من في طريقها..النجار ينشر الأخشاب على ألحان المسامير التي تزرعها المطرقة في أبواب خزائننا! و الحداد يلف شرايين الصنبور في ذات الغرفة! رائحة القهوة تمتزج و رائحة الخبز في دخان يملؤ الجو دفئا محمر الخدين يقهر الشتاء..أحبال تمتد من النوافذ تحمل عليها ملابس أطفالنا القماشية!! و شابة تلتزم الشرفة و تطرز أحلامها لوحات ملونة على قطع قماشية..أما والدتها فتدخل المنزل مع كرة الصوف حتى تحيك الأيام قصة ماضيها الجميل..الشمس تداعب الحياة و التراب..و الهواء يلم كل حكاية من منازل القرية حتى يذهب بالأخبار لطرفها الآخر..والد يحمل المكنسة و يبيض صفحة الأرض أمام منزله...و يوزع البسمات..حبال تحمل الأضواء تتدلى بعد المغيب لتنير شارعنا..سكون تشوبه وشاوش الأفواه..و أصوات الآليات التي تزورنا من قلب المدينة..حتى يطل القمر...صاحبا معه هبات الليل التي تدغدغ بطوننا و تلاطف خدودنا..فتدفعنا للنوافذ و الشرفات..و الكرسي لنسمع حكاية جديدةتنتهي إلى مسامعنا كان ابتدائها فم "عمو الحكواتي!" بقصصه الخيالية دوما...
و اليوم جلست ضاما ركبتي إلى صدري..و قد علقت عيني في عينيه..و هيأت أذناي للاستماع في هدوء الجو..كنت أول الحاضرين..حتى أنني أتيت قبل "عمو الحكواتي"..أقبل الأصدقاء..و انطلقنا بازدياد..تنوعت الأعمار و اختلفت..! والدي و الآخرون ينتاولون الشاي و يكثرون من السكر! فذلك كان لهم زيادة في متعة الرواية..والدتي و الأخريات تحتسين فناجينا متتالية من القهوة المرة السمراء! علهن يحافظن على الفتحة بين جفونهن بعد تعب طال منذ بداية اليوم...و ليطردن النعاس الذي جلبه العمل المتواصل بمصنع القرية الجديد...خال من الأجسام الآلية و محركاته أياد بشرية!! تحيك أيدي النساء فيه الذهب بالحرير..و نبيعه نحن للقرى المجاورة...طل ((عمو الحجي))! الرجل المسن الذي يحتل قلوب أهل القرية جميعا..فوقفنا جميعا..الكل أفسح له مكانا و قد جلس البوم بمكان العم "يحيى" فقام يرقص فرحا!! إذ إن "عمو الحجي!" يجلس في كل يوم مكان أحد من أفراد القرية..و الآخر يتخذ الأرض مقعده و يترك كل المقاعد الأخرى الشاغرة!! و كل يوم نتيه استغرابا من أنفسنا و لكنها عادة و جرت بيننا...و أتى "عمو الحكواتي" يجلس على مكان يعلو أماكننا حتى يتسنى للجميع النظر في عينيه..و مراقبة الكلام من بين شفتيه...بدأ يروي الحكاية..مالي لا أسمعها!! شعرت أنني أسمع كلاما غير مفهوما!! الكل يضحكون..و أنا أجلس مضطربا!! لا أدري ما الذي أصابني..أتوق للسماع لكن أذناي لا تطيعان! رفعت رأسي للسماء..حزن وجه القمر! و النجوم انطفأت...خفتت أضوائها..و غفت..انسحبت من العالم المحيط..غدوت وحيدا..لا أرى أيهم..و لاأسمع..شعرت أن هناك من يسجبني من خلفي...يشدني..يأخذني..و أنا قتيل الإحساس!! لا أقاوم..غدت الأضواء دوائر ملونة!! و المنازل أضلاع يتخللها فراغات..و الأطفال عيدان تتراكض!! و الأشجار خيوط صوف تتدحرج لتدوسني...اتكأت على يميني...وقفت..من وسط أهل القرية انسحبت بروية...تعانق قدماي الأرض فأمشي ملصقا إياهما بها...صمت الجميع...وقفت الرواية...الكل ينظرني...كانت أول مرة يقوم أحدهم من بين الجميع بينما الرواية تحكى...حدق أبي بعيني..و كأنه شعر بأن بداخلي صراع..و أنا التفت..غدت النجوم غادرة..هذا ما قلت..و اتجهت لمنزلنا...فتحت الباب في الأسفل...فدخلت مترنحا حتى وصلت للسلالم! أصعد ببطئ شديد...في كل خطرة ترتسم صورة في خيالي...أبي..أمي...جدي...أخي الكبير..أختي الصغيرة.."كفاح" صديقي في الحي..البقال..الحداد...العم الراقص! يحيى!! "شهد" الفتاة التي لا أطيق أن يذكر اسمها بسبب دموعها الكاذبة..وصلت للباب و قد زارتني باقة من الذكريات و الصور!! دخلت غرفتي..أو..غرفتنا!! أغلقت الستارة..و النافذة...تحت سريري...و من الصندوق الخشبي العتيق...أخرجت أوراقي..و لا أدري لماذا!! كتبت الذي حصل اليوم!! و ها أنا أركي قلمي على الورقة عازما على تركه..حتى يغفو و أغفو...و تنتهي الرسالة!!
قرأها و الدموع تنفر من عينيه كجرح أسود!! يتأتأ بالكلمات و يخطأ الألفاظ..رسمها لوحة كئيبة على الجدار...وجدها...بنهاية الأيام...عامين مضت..على ذلك اليوم...ذاك اليوم الذي نطق به هذا الحبر على ذات الورقة..اليوم الذي نام به "ليث" للمرة الأخيرة! الذي تنفس به للمرة الأخيرة..تكلم به للمرة الأخيرة..عاش به...للمرة الأخيرة..صمت عم قلبه...بعين يملؤها الأسى...هدوء سبق عاصفة البركان التي فجرها بصراخ يإن بصوت يعادل حجم الألم!! ولدي لم يمت..لم يمت..أقسم لم يمت..إن مات فأين جثته؟؟!أين قبره؟ أين التاريخ؟؟ ولدي لم يمت! روحه لا تزال في الأرض و جسده لازال فوقها...هناك في مكان ما...إنها النجوم!! غدت غادرة..إنه قلب كفاح.. و دموع شهد..و الرواية المشؤومة..إنه كوب الشاي بين يدي..و فنجان القهوة في يدك يا امرأة..إنها منازلنا..و وجه القمر..الأشجار و الأطفال..و الأضواء..هي التي سلبته من عالمنا..لعالم آخر! ليس الموت...ليس تسليم الروح للخالق..لا زال ينبض بقلبه..لا زالت كلماته تذكر...إنه هنا...نظرة من النافذة..أرأيتموه...ليث ولدي...لوح لنا...اصرخ..من النافذة المقابلة...ها هو..خلف تلك الأسوار...يكتب رسالة لأخيه...أرأيتموه..لم يمت..ولدي لم يمت..نزل إلى الشارع..أتسمعون؟! هو يناديني...من قلب أخضر..لا زلت لا أدري أين أراه..لا تقولوا جن! فإني اليوم..و فقط اليوم عاقل...ولدي سرقته عيون النجوم و آذان الكواكب..أخذته تضربه بسوط الإعتراف بلا ذنوب..ولدي كسرت يده اليمنى..و تهشمت العظام في أقدامه...ولدي تلامس رقبته سكينا تلمع بعينيها الظالمة...مقيد..قدمه غدت كلون السماء في ساعات الصيف الحارق...وجهه انطفأ فيه الدخان...عيناه أغلقتا..و لكن لم يمت...الدماء تسري في عروقه..و ترمش الأجفان بين الفينة و الأخرى...
شعر بشيء غريب! انسحبت النجوم من سماءه..و لمع ضوء أرجواني!! داس طفلة صغيرة..ضج العالم من حولة..حملوه إلى سريره...ابتسم..و بثقة مطلقة..ناظرا للضوء المتدلي من وسط السقف...ولدي لم يمت...ولكن...غدت النجوم غادرة!
ب...قلمي..


LinkBack URL
About LinkBacks



رد مع اقتباس














مواقع النشر (المفضلة)